محمد بن جرير الطبري
72
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الأتراك ، فضمنوا ذلك جميعا فلما أرادوا ان يدخلوا الدرب وهم يريدون انقره وعموريه ، ودخل الافشين من ناحية ملطيه ، أشار عجيف على العباس ان يثب على المعتصم في الدرب وهو في قله من الناس ، وقد تقطعت عنه العساكر ، فيقتله ويرجع إلى بغداد ، فكان الناس يفرحون بانصرافهم من الغزو ، فأبى العباس عليه ، وقال : لا افسد هذه الغزاة ، حتى دخلوا بلاد الروم ، وافتتحوا عموريه ، فقال عجيف للعباس : يا نائم ، كم تنام ! قد فتحت عموريه ، والرجل ممكن ، دس قوما ينتبهون هذا الخرثى ، فإنه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة ، فتامر بقتله هناك ، فأبى عليه العباس ، وقال ، انتظر حتى يصير إلى الدرب ، فيخلو كما خلا في البداه ، فهو أمكن منه هاهنا وكان عجيف قد امر من ينتهب المتاع ، فانتهب بعض الخرثى في عسكر ايتاخ . فركب المعتصم وجاء ركضا ، فسكن الناس ، ولم يطلق العباس أحدا من أولئك الرجال الذين كان واعدهم ، فلم يحدثوا شيئا ، وكرهوا ان يفعلوا شيئا بغير امره . وكان عمرو الفرغاني قد بلغه الخبر ذلك اليوم ، ولعمرو الفرغاني قرابه ، غلام أمرد في خاصه المعتصم ، فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم تلك في الليلة ، فأخبرهم ان أمير المؤمنين ركب مستعجلا ، وانه كان يعدو بين يديه ، وقال : ان أمير المؤمنين قد غضب اليوم ، فأمرني ان اسل سيفي ، وقال : لا يستقبلك أحد الا ضربته ، فسمع عمرو ذلك من الغلام ، فاشفق عليه ان يصاب ، فقال له : يا بنى ، أنت أحمق ، أقل من الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل ، والزم خيمتك ، فان سمعت صيحه مثل هذه الصيحة ، أو شغبا أو شيئا فلا تبرح من خيمتك ، فإنك غلام غر ، لست تعرف بعد العساكر . فعرف الغلام مقاله عمرو . وارتحل المعتصم من عموريه يريد الثغر ، ووجه الافشين ابن الأقطع في طريق خلاف طريق المعتصم ، وامره ان يغير على موضع سماه له ، وان يوافيه في بعض الطريق ، فمضى ابن الأقطع ، وتوجه المعتصم يريد الثغر ، فسار حتى صار إلى موضع أقام فيه ليريح ويستريح ، وليسلك الناس من المضيق الذي